1887
Volume 2015, Issue 1
  • ISSN: 2218-7480
  • E-ISSN:

Abstract

نلاحظ اليوم أن الثقافة الدينية باتت تنظر إلى العمل من زاويتين: الأولى باعتباره نعمة، والثانية باعتباره نقمة؛ أو باعتباره أما هبة إلهية، في بعض الأحيان أو وسيلة تهذيب في أحيان أخرى. وهذه النظرة الدينية المزدوجة لظاهرة العمل، تبدو جلية في واقعنا المعاصر، وعلى وجه الخصوص من خلال وجود ظاهرتين داخل النظام الاقتصادي العالمي: ظاهرة الاستغلال من ناحية، وظاهرة الإبداع والنشاط المتنامي بوتيرة مطردة من ناحية أخرى. من المؤكد أن اهتمامات العمل طغت على جوانب أخرى في حياة الناس اليوم، لدرجة أن البعض يذهب إلى القول بأن العمل تحول في عصرنا إلى دين جديد، على أقل تقدير في مناطق واسعة من العالم خارج سيطرة النظام الدين. ورغم الفراغ الذي تركه انعدام الاهتمام بالجانب الروحي والتوافق على القيم الدينية، يلاحظ أن النشاط المهني، يكاد يملأ هذا الفراغ، ليعطي معنى للحياة من ناحية، وليربط الأشخاص بعضهم ببعض من خلال شبكة من المهام تقوم على التعاون المتبادل. وخير مثال لذلك هو ما نراه عبر العالم من العمل الإنساني الهائل المتسق والمعقد، الناتج عن الالتزام ولإبداع والطاقة، من خلال حركة دائمة وسريعة التطور. وبالرغم من أن التعلق بالعمل أصبح مرتبطا بنوع من الحماس يكاد يرقى إلى درجة العبادة، يفقد العمل دوره التقليدي، في بعض الأحيان، ليتحول إلى مصدر ظلم واستغلال. والحقيقة أن سبب هذا السلوك يعود إلى الثورة في وسائل الإنتاج مثل تبديل الآلات والتشغيل الآلي، مع إدخال المعلوماتية في كثير من مجلات المهنية، مما يسلب الطابع الإنسان من الكثير من المجالات المهنية بسبب الثورة المعلوماتية. وبالتالي في كثير من الأحيان أصبح دور العمل منحصرا في تلبية ضروريات الحياة ووسيلة لمجرد البقاء على قيد الحياة،منقطعة بذلك عن الاهتمامات الأساسية والأخلاقية، على خلاف مع القيم الأخلاقية والسعادة الروحية. وإذا تأملنا تاريخا الإنسان، نرى أن الاستثمار في العمل من منطلق ديني كان هو القاعدة. في الحضارات ما قبل عصر الحداثة، وتقديس العمل كانت السمة المشتركة، وهذا ما يظهر جليا، كذلك لدى الرجل المتدين العمل هو الفعل أو الإنتاج، وفي كلى الحالتين ينطوي العمل بصبغة من التقديس. ولذا كان لا بد أن ينفذ العمل "باسم الله"، بحيث لا يتم التغير فقط على المستوى الشكلي والرسمي، ولكن على المستوى النوعي والروحي أيضا. أضف إلى ذلك أنه عند ما يكتمل العمل روحيا، يمكن أن يتم التحول جوهريا، كما يتجلى ذلك بوضوح في حالة الترابط الوثيق، واسع النطاق، بين الفنون الروحانيات. ينطبق هذا على الأفراد والجماعات على حد سواء، مثل النقابات، والقبائل أو الطبقات الاجتماعية. كما يرتبط العمل بمفهوم الهوية، والناس الذين لا يعملون، أو نسوا كيف يعملون أو لا يهتموا بالعمل، سيفقدون كرامتهم ومعها هويتهم الحقيقية. ولا يعتبر العمل هنا مسألة مفخرة وطنية أو مجرد تراث رسمي، بل هي أحد القضايا المصيرية. القضايا الهامة للحفاظ على الثقافي والديني. وهذا ما يدلل على أن "جاندي" قد أدرك جيدا العلاقة الوثيقة بين الهوية الروحية للأمة ونوع عملها عندما اختار عجلة الغزل شعارا لحمله التي أطلقها لإحياء التراث الحضارة الهندية. وحتى حين ما يندرج العمل ضمن القيم الدينية، نادرا ما يعتبر في حد ذاته فعلا دينيا أن نتاجا دينيا. ذلك أن الأعمال الدينية تتمثل في الأساس في الطقوس و والصلوات والسلوكيات الأخلاقية. والسؤال الذي يطرح نفسه هو: كيف يمكن الربط بين العمل المهني والأعمال الدينية؟ والجواب يستدعي عدة ملاحظات: الملاحظة الأولى هي أن عمليتا الصلاة والتأمل يمكن اعتبرهما نوعا من العمل، وهما في كل الأديان، واجب جماعي، وكذلك دعوة للخصوص. ونجد هذا حتى في الأديان التي لا تقبل بالرهبانية، مثال ذلك "أهل الصفة" في صدر الإسلام، والذين كانوا انقطعوا للعبادة. لأن الإنسانية المتنوعة المشارب، تكون كذلك متنوعة في ميولها المهنية. والملاحظة الثانية هي أن ثمة فكرة خاطئة وغامضة تدعي وجود تعارض بين عملية التأمل والعمل. أما القرآن فهو يقرر في هذا المجال في الآية التالية: “لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله”، وبالتالي يدحض وجهة النظر السطحية المعاصر، والتي تزعم انعدام توافق بين العبادة والعمل المهني، أن يحل كل منهما محل الآخر، أو يتساوى الطرفان. أما الملاحظة الثالثة هي أن الممارسات الدينية وما يتكون منها من الشعور الديني، يتناقض صراحة مع الغش المهني وسلوكيات الا أخلاقية. وفي هذا المعنى، يشكل الدين مدرسة التربية الأخلاقية، سواء في الجانب المهني أو في النواحي الأخرى للحياة. وفي المقابل غياب ارتباط وثيق أو إدماج بين الممارسات الدينية والأخلاقيات المهنية، ما هي إلا دلالة عن وجود فهم خاطئ عميق للممارسات الدينية أو في التعامل معها. وبالإضافة إلى هذه الاعتبارات الأساسية، يمكن القول أن الأخلاقيات المهنية الشاملة، لا محالة تعترف بضرورة منح العمل نوع من التقديس النسبي الغير المطلق. كما يعتبر العمل،من هذا المنظور، واحدا من أهم أبعاد حياتنا، ولكن هولا يزال مقيدا بالقيم الروحية، والمبادئ الأخلاقية العليا، التي تحدد نفوذ و حقوق ومتطلبات العمل. وتبقى هذه المبادئ هي الضامنة على أن يبقى العمل هو وسيلة للحياة وليس غاية لها.

Loading

Article metrics loading...

/content/journals/10.5339/rels.2015.work.1
2015-05-03
2019-10-23
Loading full text...

Full text loading...

http://instance.metastore.ingenta.com/content/journals/10.5339/rels.2015.work.1
Loading
  • Article Type: Editorial
This is a required field
Please enter a valid email address
Approval was a Success
Invalid data
An Error Occurred
Approval was partially successful, following selected items could not be processed due to error